محمد أبو زهرة

1227

زهرة التفاسير

اللّه تعالى في كلامه المعجز أن يشتمل الكلام على الإيجاز ، الذي هو من أسرار الإعجاز ، ففي أثناء البشارة قبل الحمل كان بيان رسالته وما هيأه اللّه به لأداء الرسالة ، والمعجزات الكبرى التي أجراها اللّه سبحانه وتعالى على يديه ، وماهية الرسالة التي جاء بها ، ومقام رسالته من الرسالات قبلها ، ثم بيان تلقى الذين أرسل إليهم هذه الرسالة مؤيدة بهذه المعجزات الباهرة القاهرة ، ثم بيان النهاية التي انته بها ، عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم . ولقد ابتدأ سبحانه ببيان علم الرسالة الذي تكون به قوة الرسول الذي يدعو قوما معاندين من أمثال اليهود والمشركين من الرومان ، فقال : وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ في هذه الآية الكريمة يبين اللّه سبحانه وتعالى علم الرسالة التي أرسله بها ، وهو علم بأربعة أمور : علمه بالكتاب ، وعلمه بالحكمة ، وعلمه بالتوراة ، وعلمه بالإنجيل . أما علمه بالكتاب فقد قال بعض مفسري السلف : إنه العلم بالخط والكتابة ، وتوجيه ذلك التفسير أن عيسى بعث في أمة اشتهرت بالعلم والمعرفة ، فلا بد أن يكون فيه ما هو سبيل العلم والمعرفة وهو الكتابة ، وقد كانت آيته في إثبات رسالته فوق علم العلماء ، وقدرة الناس قاطبة . وقال بعض مفسري السلف أيضا : إن علم عيسى بالكتاب هو علمه بما نزل على النبيين السابقين . وإنا نختار الأول ؛ فإنه على التفسير الثاني يكون تكرار ؛ لأن علم الرسالات السابقة ، في التوراة التي ذكر أنها من علمه ، والتأسيس أولى من التأكيد . وأما العلم الثاني ، وهو الحكمة ، فهو العلم الذي يحكم صاحبه في القول والعمل ، وسياسة الناس في القول والعمل ، ولذا يقول العلماء : إن الحكمة هي العلم النافع ؛ فهي العلم الذي تظهر ثمرته في القول والعمل وهداية الناس ، وقيادة نفوسهم ؛ ولذلك قال اللّه تعالى آمرا نبيه الكريم صلى اللّه عليه وسلم : ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ . . . ( 125 ) [ النحل ] وإن هذا النوع من العلم هو ألزم العلوم لمن يقود الناس إلى الإيمان ، ويدعوهم بدعاية الرحمن .